في خطوة ثورية نحو مستقبل الطاقة النظيفة، أعلنت شركة Google DeepMind، الذراع البحثي للذكاء الاصطناعي التابع لشركة Google، عن شراكة استراتيجية مع شركة Commonwealth Fusion Systems (CFS)، وهي شركة ناشئة متخصصة في تطوير تقنيات الاندماج النووي. تهدف هذه الشراكة إلى تسريع تطوير طاقة الاندماج النووي، وهي العملية الفيزيائية ذاتها التي تُشغّل الشمس والنجوم، وذلك من خلال توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
الذكاء الاصطناعي في خدمة طاقة المستقبل
الاندماج النووي يُعد منذ عقود “الكأس المقدسة” للطاقة النظيفة، إذ يوفر إمكانية توليد طاقة هائلة دون انبعاثات كربونية أو نفايات مشعة طويلة الأمد. ومع ذلك، فإن تحقيق اندماج نووي مستقر على الأرض يتطلب التحكم الدقيق في بلازما تصل حرارتها إلى أكثر من 100 مليون درجة مئوية، وهو تحدٍ علمي وتقني بالغ التعقيد.
هنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي. طورت DeepMind برنامجًا متقدمًا يُدعى TORAX، وهو محاكي رقمي قادر على تنفيذ ملايين التجارب الافتراضية لمحاكاة سلوك البلازما داخل مفاعل SPARC، الذي تطوره CFS. يتيح هذا المحاكي للعلماء اختبار سيناريوهات متعددة وتحديد أفضل الطرق لتحقيق استقرار البلازما وكفاءة إنتاج الطاقة، قبل تشغيل المفاعل فعليًا.
التحكم الديناميكي في توزيع الحرارة
في المرحلة الأولى من التعاون، يركز الباحثون على تدريب وكلاء التعلم المعزز (Reinforcement Learning Agents) للتحكم في توزيع الحرارة داخل المفاعل بشكل ديناميكي. الهدف من ذلك هو حماية المواد المحيطة بالبلازما من التلف الناتج عن درجات الحرارة العالية، مما يطيل عمر المفاعل ويزيد من كفاءته التشغيلية.
مفاعل SPARC وخطة الوصول إلى الشبكة الكهربائية
تُعد CFS من الشركات الرائدة في مجال الاندماج النووي، وقد تأسست كمشروع منبثق عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) في عام 2018. تعمل الشركة حاليًا على بناء مفاعل SPARC في ولاية ماساتشوستس، والذي يُتوقع أن يكون أول مفاعل اندماج نووي قادر على إنتاج طاقة صافية. كما تخطط CFS لإنشاء محطة طاقة اندماجية تجارية باسم ARC بقدرة 400 ميغاواط في ولاية فرجينيا، مع توقعات بربطها بالشبكة الكهربائية بحلول أوائل الثلاثينيات.
نحو عصر جديد من الطاقة غير المحدودة
تمثل هذه الشراكة بين DeepMind وCFS بداية عصر جديد في مجال الطاقة، حيث يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يلعب دورًا محوريًا في تسريع الوصول إلى طاقة اندماجية نظيفة وآمنة وغير محدودة تقريبًا. هذا النوع من الطاقة قد يُحدث تحولًا جذريًا في الحضارة البشرية، من خلال إنهاء الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتقليل آثار التغير المناخي، وتوفير طاقة مستدامة لتلبية احتياجات النمو السكاني والتكنولوجي المتسارع.
في ظل الطلب المتزايد على الكهرباء، خاصة من مراكز البيانات التي تدعم الذكاء الاصطناعي نفسه، فإن الاستثمار في طاقة الاندماج النووي يُعد خطوة استراتيجية ليس فقط بيئيًا، بل أيضًا اقتصاديًا وتقنيًا. ومن خلال هذه الشراكة، تضع Google نفسها في طليعة الشركات التي تسعى إلى بناء مستقبل طاقي أكثر استدامة وذكاء.