بغداد تُعيد إحياء تراثها الثقافي عبر مشروع “شارع المتنبي الرقمي

في قلب العاصمة العراقية بغداد، وتحديدًا في شارع المتنبي الشهير، انطلقت مؤخرًا مبادرة ثقافية رقمية تهدف إلى توثيق التراث الثقافي العراقي وإتاحته للعالم عبر الإنترنت. المشروع، الذي يحمل اسم “شارع المتنبي الرقمي”، جاء نتيجة تعاون بين وزارة الثقافة العراقية وعدد من المؤسسات الأكاديمية والتقنية المحلية والدولية، ويُعد خطوة رائدة نحو رقمنة الإرث الثقافي العراقي العريق.

شارع المتنبي: قلب الثقافة البغدادية

يُعد شارع المتنبي، الذي يمتد على ضفاف نهر دجلة، أحد أبرز المعالم الثقافية في بغداد. منذ تأسيسه في العهد العباسي، كان هذا الشارع مركزًا للنشاط الأدبي والثقافي، حيث يلتقي فيه الكتّاب والمثقفون والفنانون لتبادل الأفكار وبيع الكتب والمخطوطات النادرة. وعلى الرغم من التحديات التي واجهتها المدينة خلال العقود الماضية، ظل شارع المتنبي رمزًا لصمود الثقافة العراقية.

أهداف المشروع الرقمي

يهدف مشروع “شارع المتنبي الرقمي” إلى توثيق الحياة الثقافية في الشارع من خلال إنشاء أرشيف رقمي تفاعلي يضم صورًا، ومقاطع فيديو، ومقابلات مع كتّاب وباعة كتب، بالإضافة إلى خرائط تفاعلية توضح تطور الشارع عبر الزمن. كما يسعى المشروع إلى رقمنة آلاف الكتب والمخطوطات التي تُباع في الشارع، مما يتيح للباحثين والمهتمين من مختلف أنحاء العالم الوصول إليها بسهولة.

التكنولوجيا في خدمة التراث

يعتمد المشروع على تقنيات الذكاء الاصطناعي والتصوير ثلاثي الأبعاد لتوثيق تفاصيل الشارع بدقة عالية. وقد تم استخدام طائرات بدون طيار (درون) لالتقاط صور جوية، بالإضافة إلى مسح ضوئي للمباني التاريخية والمكتبات. كما تم تطوير منصة إلكترونية تفاعلية تتيح للمستخدمين استكشاف الشارع افتراضيًا، والتفاعل مع محتوياته من خلال تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز.

إشراك المجتمع المحلي

من أبرز ما يميز المشروع هو إشراك المجتمع المحلي في عملية التوثيق. فقد تم تدريب مجموعة من الشباب البغداديين على استخدام أدوات التوثيق الرقمي، وتم تشجيعهم على جمع القصص الشفوية من كبار السن وأصحاب المكتبات. هذا التفاعل المجتمعي أضفى على المشروع طابعًا إنسانيًا، وساهم في تعزيز الشعور بالانتماء والاعتزاز بالهوية الثقافية.

صدى دولي واسع

حظي المشروع باهتمام واسع من قبل منظمات ثقافية دولية، مثل منظمة اليونسكو، التي أشادت بالمبادرة واعتبرتها نموذجًا يُحتذى به في الحفاظ على التراث الثقافي في مناطق النزاع. كما أبدت جامعات ومراكز بحثية اهتمامًا بالتعاون مع القائمين على المشروع لتوسيع نطاقه ليشمل مواقع ثقافية أخرى في العراق.

نحو مستقبل ثقافي رقمي

يمثل مشروع “شارع المتنبي الرقمي” نقلة نوعية في طريقة تعامل بغداد مع تراثها الثقافي. فبدلًا من الاكتفاء بالحفاظ على الماضي، تسعى المدينة إلى دمج تقنياتها الحديثة مع إرثها العريق، مما يفتح آفاقًا جديدة للتعليم، والسياحة الثقافية، والتواصل الحضاري مع العالم.

في زمن تتسارع فيه وتيرة التحول الرقمي، تُثبت بغداد مرة أخرى أنها ليست فقط مدينة التاريخ، بل أيضًا مدينة المستقبل.

هل ترغب أن أكتب لك مقالًا مشابهًا عن موضوع ثقافي أو علمي آخر في العراق؟